الفصل الثاني من كتاب الصحفي جمال اسماعيل مراسل قناة الجزيرة السابق في باكستان يفضح فيه الدور الذي تلعبه القناة
أوقفوا جزيرة الدجّال :: قسم مكافحة الإعلام المرئي والمسموع الموجّه :: منتدى فضح قناة الجزيرة المخادعة
صفحة 1 من اصل 1•
الفصل الثاني من كتاب الصحفي جمال اسماعيل مراسل قناة الجزيرة السابق في باكستان يفضح فيه الدور الذي تلعبه القناة
الفصل الثاني
المحاولة الثانية لمقابلة أسامة وأيمن الظواهري
المحاولة الثانية لمقابلة أسامة وأيمن الظواهري
لا يهمنا أمره
في 26 من شهر أيار عام 1998 ، وبعد أسبوعين من التجارب النووية الهندية ، دعا الشيخ أسامة بن لادن إلى مؤتمر صحفي قرب مدينة خوست شرق أفغانستان ، وقد حضر المؤتمر مجموعة من الزملاء الصحفيين الباكستانيين ، وكان غالبية الصحافيين المتواجدين في باكستان مشغولين برصد رد الفعل الباكستاني على التجارب النووية الهندية ، وإمكانية إجراء باكستان تجارب نووية رداً على التجارب الهندية في أية لحظة ، وقد اتصلت وقتها بغرفة الأخبار في الجزيرة لإطلاعهم على الوضع ، ومشروع أسامة لعقد مؤتمر صحفي، وما إذا كانت الجزيرة ترغب في أن نحضر ذلك المؤتمر الصحفي، وبهذا نكون القناة التلفزيونية الوحيدة التي تحضره، لكن جاء رفض لهذا العرض بحجة أن أسامة لا يهمنا أمره الآن، كما أن هناك حدوداً للبث عند الجزيرة في هذه المسألة وأن علي متابعة الوضع في باكستان لإمكانية إجرائها تجارب نووية في أية لحظة، لا سيما وأنه لا يوجد أي مراسل آخر للجزيرة في باكستان غيري.
موعد جديد:
بعد التجارب النووية الباكستانية بحوالي أسبوعين تمكنت وبعد جهد حثيث من الحصول على موافقة الشيخ أسامة بن لادن والدكتور أيمن الظواهري على إجراء مقابلة مصورة مع كل منهما، وأبلغت مدير الجزيرة بالأمر، إلا أنه تردد في قبول العرض بحجة أن المذيع الذي كان يسعى لمقابلتهما قبل أشهر أفهمه أن الظواهري وأسامة هما اللذان أخلفا موعدهما مع الجزيرة في المرة الماضية ، فصححت له المعلومات ، وقلت له : لقد كنت شاهداً على المحادثات التي جرت بين مذيع الجزيرة والوسيط في أوروبا وذوي الشأن في أفغانستان وأن الخلل كان من جانب الجزيرة ولم يكن من الطرف الآخر. وسأل مدير الجزيرة عما إذا كان من رتب الموعد الجديد له شروط مالية ، أو غير ذلك مما كان في الموعد الأول، فأجبته بالنفي، وأن علينا أن نذهب مع مرافق من باكستان إلى داخل الأراضي الأفغانية . ومن هناك هم يستقبلوننا ويذهبون بنا إلى منطقة آمنة ، يتم إجراء المقابلة فيها . وقد أصر مدير الجزيرة في الحديث الهاتفي معه على التأكيد على إرسال مذيع الجزيرة سالف الذكر، لإجراء المقابلة مع الدكتور أيمن الظواهري ، مضيفاً أن أسامة بن لادن لا يعنينا كثيراً ، ويمكن أن تحصل منه على تصريح لا مقابلة مطولة. مشدداً على أن المذيع هو الذي سيقابل الدكتور الظواهري على حين أنا آخذ تصريحاً من أسامة.
أهداف لها ما وراءها !
وطلب مني المدير كذلك العمل على تصوير المعسكرات التي يتدرب فيها العرب في أفغانستان!! وتصوير من في المعسكرات!! وإجراء مقابلات مع بعضهم وسؤالهم عن سبب تواجدهم في أفغانستان، وما ينوون عمله في المستقبل !! فأبلغته أن كل هذا رهن بموافقة الطرف الآخر على هذه الأمور . لكن فيما يخص المقابلات فإن أسامة بن لادن أهم من ناحية إعلامية وعالمية من الدكتور الظواهري وإن استطعنا الحصول على موافقة منه على مقابلة فلماذا نقتصر على تصريح مقتضب؟!
ولم أتمكن من الحصول على موافقة على اقتراحي هذا رغم ما بذلته من محاولات لإقناع مدير الجزيرة بوجهة نظري!
بعد ثلاثة أيام من الاتصال وصل مذيع الجزيرة إلى إسلام أباد للمرة الثانية وكنت في استقباله، وهذه المرة لم يحضر أجهزة التصوير أو المصورين الذين قدموا معه في المرة الماضية ، وكلفت من قبل إدارة الجزيرة بأن أتدبر الأمور الفنية والتقنية من إسلام أباد وعن طريق المكاتب التلفزيونية فيها . وقد فعلت هذا وتدبرت الأمر ، رغم أن الكثير من المكاتب التلفزيونية الباكستانية لا توافق على إرسال مصوريها ومعداتها إلى أفغانستان ، حتى لو دفع لها مبلغ أكثر مما تتلقاه في باكستان.
طريق سيرنا للوصول إلى الحدود كان نصفه جواً والنصف الآخر براً ، ولم يكن عبر الطيران المباشر إلى كابل ، وقد رتبنا الأمر مع الوسيط الذي جاء إلى باكستان لهذا الغرض وكلف أحد أعوانه بمرافقتنا طيلة الرحلة .
خرجنا في الصباح بالطائرة من إسلام أباد ، وبعد النزول في عدد من المحطات وصلنا إلى أقرب مدينة على الحدود ، وكان في استقبالنا أشخاص لهم علاقة بالشيخ أسامة انتدبوا لاستقبالنا ومرافقتنا في الرحلة من تلك المدينة إلى داخل الأراضي الأفغانية.
خبر يثير المخاوف:
أثناء خروجنا من إسلام أباد كان بحوزتنا جريدة محلية وقرأنا على صفحتها الأولى خبرا يقول إن السلطات الباكستانية اعتقلت في منطقة قريبة من الحدود الأفغانية أحد العرب الذين يشك بصلتهم بأسامة بن لادن وأنه كان ينوي الدخول إلى أفغانستان، وقد أثر هذا الخبر على مرافقي مذيع الجزيرة الذي بدأ يتحسس من الوضع الأمني ومن إمكانية القبض علينا في تلك المنطقة. لكنني طمأنته، وكذلك فعل المرافقون الآخرون من المصورين ومن كانوا في استقبالنا كي يصحبونا في هذه الرحلة. وظننا أن مخاوفه تبددت وأننا سنواصل الرحلة كما هو مقرر.
صلينا الجمعة في تلك المدينة وجاءنا مسئول المرافقين ، ليخبرنا أنه ومن أجل سلامتنا وحتى لا يكون هناك إحراج مع حرس الحدود الباكستانيين ، فإن من الأفضل لنا الانتظار لمغيب الشمس حيث ستحضر السيارة الخاصة بهم وتنقلنا من المدينة الحدودية إلى المكان الذي نزل فيه الشيخ أسامة بن لادن والدكتور أيمن الظواهري ومرافقوهم . وقد رتبنا الأمر على هذا النحو .
تردد وهواجس أمنية!
لكننا فوجئنا بعد قليل من الوقت بمذيع الجزيرة يثير العديد من التساؤلات عن المسألة الأمنية ، وسلامتنا ، وإمكانية القبض علينا، وماذا سيكون موقفه لدى الأجهزة الأمنية في حال تم القبض عليه في منطقة يحظر على الأجانب الدخول إليها دون إذن مسبق من السلطات المحلية فيها. وقد كانت تساؤلات مشروعة ممن هو في مكانه ، لكنه أعطاها حجماً أكبر مما تستحق، فقد أكدت له أنني قدمت إلى هذه المنطقة وقبل أن أحصل على بطاقتي الصحافية أكثر من مرة وأنني أعرف أشخاصاً كثيرين فيها، ولم يكن هناك أي مشكلة . وأكد له مرافقونا هذا الكلام ، وأنهم مطمئنون إلى سلامتنا ولولا ذلك لما اختاروا هذه المنطقة لعبورنا، أو اختارها الشيخ أسامة لتكون أقرب نقطة في الوصول إليه. لكن ما ظنناه أنه سيهدئ من روع وقلق زميلنا مذيع الجزيرة، وجدناه ذا تأثير عكسي حيث قرر العودة إلى إسلام أباد مباشرة ، طالباً الحجز له على أول طائرة من تلك المدينة الحدودية. وقد أبلغناه أن الطائرة بين تلك المدينة الحدودية وإسلام أباد تذهب مرة في اليوم ولا توجد إمكانية للسفر الآن جواً، لكن يمكنه السفر براً، وهذا يستغرق وقتا طويلا ومشقة عليه تحملها، خاصة وأن الطريق غير جيد والمسافة تعد بمئات الكيلومترات مما قد يتعبه في السفر. وحاولنا بكل ما أوتينا إقناعه بالعدول عن فكرة العودة إلى إسلام أباد ، لكنه أصر عليها ، وأكثر من ذلك ، ولأنه مذيع الجزيرة المنتدب لهذه المقابلة قرر أن يعود المصورون معه ، وبعد عودته إلى إسلام أباد أقرر أنا وعلى مسئوليتي الخاصة أن أرجع مرة أخرى إن رغبت في إتمام المقابلة!!!
إفشال المحاولة ومغالطات من الجزيرة:
رجعنا من الحدود بخفي حنين! وحملتني إدارة الجزيرة المسئولية حول فشل اللقاء !! وأننا تسببنا في خسارتها مبلغاً من المال (تكاليف سفر المذيع وإقامته ليلتين في إسلام أباد وأجرة الكاميرات والمصورين يوم واحد) وسمعت من مدير الجزيرة أن الذي بلغه ((أننا دخلنا الحدود الأفغانية ، ووصلنا إلى المكان المتفق عليه ، لكن الطرف الآخر لم يحضر! وهذه المرة الثانية التي يتصرفون معنا هكذا! وهذا أمر غير لائق ونحن كنا سنخدمهم بعرض وجهة نظرهم ، لكن يبدو أنهم يتصرفون معنا بصورة غير جيدة، وهذا سيؤثر على مصداقيتهم وتعاملنا المستقبلي معهم)) !!!
استغربت من لهجة مدير الجزيرة وكلامه وتحميله الطرف الآخر المسئولية عن فشل اللقاء ، وأوضحت له الذي تم على حقيقته ، وأننا كنا نبعد عدة كيلومترات فقط عن الطرف الآخر ، لكن زميلي مذيع الجزيرة ولأسباب صورها على أنها أمنية، هو الذي أعادنا من منطقة الحدود وبهذا فشل اللقاء المرتقب.
وكان خلاصة الحديث مع مدير الجزيرة أن علي مراجعة الشخص الذي عمل على ترتيب اللقاء لنا وأبلغه أنه أوقعنا في مشكلة و.. و.. و... إلخ ، وهو ما رفضته مباشرة بالقول إنني مقتنع تماماً أن الجزيرة هي التي أفشلت المحاولة الثانية للقاء.
لم يكن من اليسير إزالة سوء الفهم لدى مدير الجزيرة على الهاتف : وقلت له في نهاية الحديث أرجو منكم أن تحضروا الزميل الذي انتدبتموه للمقابلة ، وأن تتصلوا وهو موجود لديكم ، وأنا أقول ما عندي أمامكما ، وإن شئت أحضر ذلك الشخص الذي رتب لنا الموعد، والشخص الآخر الذي رافقنا في الرحلة، وإن كان الخطأ من جانبنا، فأنا أتكفل بدفع تكاليف الرحلة كلها مني ولا أريد منكم شيئا مطلقاً، لكن } ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا. اعدلوا هو أقرب للتقوى { المائدة:8.
وهكذا سبقنا الأمريكي :
فوجئت بعد فشل هذه المحاولة بيومين أو ثلاثة بخبر على صفحات الجرائد وفي الوكالات وعلى الانترنيت أن أحد صحفيي شبكة (A B C ) تمكن من الوصول إلى أسامة بن لادن وإجراء مقابلة مصورة معه ، وفي نفس المكان الذي كنا سنقابله فيه ، وسلك نفس الطريق التي كنا سلكناها ، لكنه واصل المسير إلى داخل الأراضي الأفغانية ، ولم يرجع من منطقة الحدود ، وأنه لهذا الغرض وافق على المبيت أكثر من ليلة في أفغانستان، وفي مكان لا يقارن بالفندق الذي نزل فيه في إسلام أباد بأي شكل، ناهيك عن مقارنته بالحياة في أمريكا التي قدم منها لهذا الغرض خصيصاً !!! فحظي باللقاء والسبق الصحفي الذي يتمنى كافة الصحافيين في العالم الحصول على مثله من هذا الرجل .
رد: الفصل الثاني من كتاب الصحفي جمال اسماعيل مراسل قناة الجزيرة السابق في باكستان يفضح فيه الدور الذي تلعبه القناة
الفصل الثالث
المحاولة الثالثة: بعد القصف الأمريكي على أفغانستان
المحاولة الثالثة: بعد القصف الأمريكي على أفغانستان
أسامة لم يصب بأذى:
ما إن أعلنت الإدارة الأمريكية نبأ قصفها ما أسمته مراكز قيادة وتحكم تابعة لأسامة بن لادن في أفغانستان ، ومصنعاً كيماوياً ادعت أنه يموله في السودان ، حتى بادرت بالاتصال بالجزيرة وبالحكومة الأفغانية في كابول . وقد تحدثت مع القائم بأعمال رئيس الوزراء الذي أكد لي تلك الليلة أن أسامة بن لادن والدكتور أيمن وأبو حفص المصري المساعد الأول لأسامة لم يصابوا بأي أذى ، وأنهم لم يكونوا موجودين في المكان الذي شمله القصف الأمريكي وقت وقوعه ، وإنما كانوا على بعد عدة مئات من الكيلومترات. وكنت أول من بث ذلك الخبر على العالم تلك الليلة .
وقد أجريت اتصالات مع الحكومة الأفغانية للسماح لي بالذهاب في اليوم التالي إلى منطقة خوست ، لتصوير ما قيل إنه معسكرات تابعة لأسامة بن لادن ، إلا أنهم اعتذروا إلى بقرار يمنع كافة الصحافيين من دخول الأراضي الأفغانية إلى أجل غير مسمى. وقد حاولت معهم جاهداً الوصول إلى تلك الأماكن وتصوير الجرحى والقتلى، ونشر الحقيقة التي قالت الحكومة الأفغانية إنها تدحض ادعاءات الأمريكان بأن هذا كان مركز قيادة وتحكم لمجموعة أسامة بن لادن ، لكن هذه الجهود كانت دون جدوى لعدة أيام .
بعد يومين من القصف الأمريكي على أفغانستان عقد الشيخ فضل الرحمن خليل ، الأمين العام لحركة المجاهدين الكشميرية مؤتمراً صحفياً حاشداً في إسلام أباد ، تحدث فيه عن القصف الأمريكي الذي طال مركزاً تعليمياً لحركته داخل الأراضي الأفغانية ، وأدى إلى مقتل عدد من الشبان المتواجدين فيه. وقد طالب خليل بتشكيل لجنة تحقيق دولية ، والعمل على محاسبة الرئيس الأمريكي بيل كلنتون وإدارته ، إن تبين أن هذا المعسكر ليس له علاقة بما تدعيه الإدارة الأمريكية من مراكز قيادة وتحكم لأسامة بن لادن ، وأن من حق حركة المجاهدين الكشميرية الثأر لشهدائها وجرحاها ، وقد أجريت مقابلة قصيرة مع الشيخ فضل الرحمن خليل بعد المؤتمر الصحفي ، تكلم فيها عن الإدارة الأمريكية وكيف أنها تعادي المسلمين، وطلبت منه العمل على استخراج إذن لنا من الحكومة الأفغانية بالسفر إلى تلك المناطق لتصويرها ، ورغم حرصه على مساعدتنا في هذا الأمر، إلا أن قرار طالبان كان حازماً في منع أي صحافي أجنبي من دخول أفغانستان آنذاك ، ومنع أي صحفي موجود في أفغانستان حتى لو كان أفغانيا من الوصول إلى تلك المنطقة. وكانت بعض تسويغات الحكومة الأفغانية حول قرار المنع هو تجنيب السكان المحليين أو القادمين أي انفجارات قد تحصل من عدد من الصواريخ التي نزلت في المنطقة لكنها لم تنفجر ، إضافة إلى محاولة تقصي حجم الضرر والخسائر البشرية والمادية جراء القصف ، وهذا يحتاج طبعاً بعض الوقت في بلد مثل أفغانستان ، التي دمرتها الحروب المتواصلة على مدى ربع قرن .
موافقة على التصوير في أفغانستان
لكن بعد عشرة أيام من القصف تقريبا ، اتصل بي الشيخ وكيل أحمد من قندهار وكان يعمل حينها مستشاراً للملا محمد عمر (أمير المؤمنين)، وأصبح فيما بعد وزيراً للخارجية، طالباً مني التوجه إلى السفارة الأفغانية للحصول على إذن بالسفر إلى خوست وتصوير المنطقة التي تعرضت للقصف. وعلمت من السفارة الأفغانية ومن الشيخ وكيل أحمد ، أن ثلاثة صحافيين تمت الموافقة على سفرهم ، أنا وباكستاني وأفغاني . وعلمت من الصحفي الباكستاني أنه سيتوجه إلى تلك المنطقة مساء ذلك اليوم ليبيت في قرية حدودية في الجانب الباكستاني ، ومنها ينطلق بعد الفجر إلى منطقة خوست ، يصور مناطق القصف ويلتقي بمن يراه هناك .
وقد اتصلت بالجزيرة وحصلت على موافقة مباشرة على السفر، ومحاولة مقابلة من أراه هناك وتوجيه أسئلة بالعربية والإنجليزية وعدم استخدام شعار الجزيرة في كل ما ألتقطه من صور أو أجريه من مقابلات، وطلب مني أحد المسئولين في الجزيرة أن أرسل له هذه الصور ولا أكلم عنها أحدا في الجزيرة!!!
اعتقال في منطقة القبائل
تحركت في نفس الليلة إلى تلك المنطقة حاملاً معي الموافقة من الحكومة الأفغانية لدخول أراضيها ، ووصلنا القرية الحدودية في تلك المنطقة في وقت متأخر من الليل . وحينما تحركنا صباح اليوم التالي احتجزتنا الميليشيات القبائلية التي تتولى حراسة الحدود ، بحجة عدم وجود اسمنا لديهم مسبقاً ، ومنعونا من مواصلة الرحلة إلى أفغانستان، وأعادونا إلى سجن البلدة للتحقيق معنا ، وبسبب من توقيت الاحتجاز (مساء الخميس) والعطلة صباح يوم الجمعة ، فقد بقينا في الحجز دون أن يأتينا أحد من المحققين إلى نهار السبت ، حيث كنا وقتها تمكنا من تهريب اسمنا ورقم هاتف في إسلام أباد مع شخص تم الإفراج عنه للاتصال بوزارة الإعلام التي عملت مع الجهات الرسمية على إطلاق سراحنا بعد ذلك. وقد رجعنا إلى إسلام أباد ولم نتمكن من الحصول على شيء. لكن وبعد أكثر من عام استطعت الحصول على الشريط الوحيد للمناطق التي تعرضت للقصف وكان أحد المتواجدين في المنطقة لديه وقتها كاميرا فيديو صغيرة سجل عليها ما يزيد على أربعين دقيقة من الصور التي تبين طبيعة المنطقة والمعسكر والقتلى والجرحى، ومقابلة مع المسئول الأفغاني في هذا المعسكر. ولم يسبق أن بث شيء من هذا الشريط قبل حصولي عليه.
رد: الفصل الثاني من كتاب الصحفي جمال اسماعيل مراسل قناة الجزيرة السابق في باكستان يفضح فيه الدور الذي تلعبه القناة
[center][b]الفصل الرابع
الجزيرة تحاول ابتزاز مصر مجددا
الجزيرة تحاول ابتزاز مصر مجددا
شخص غير مرغوب فيه!
بعد أسابيع قليلة من محاولة الجزيرة الأولى مقابلة الدكتور أيمن الظواهري وتحديدا في مطلع شهر آذار من نفس العام 1998 نشرت الصحف الباكستانية تصريحا منسوباً للأمين العام للجماعة الإسلامية الباكستانية منور حسن طالب فيه الحكومة الباكستانية بزعامة نواز شريف إخراج السفير المصري من باكستان واعتباره شخصاً غير مرغوب فيه، مشيراً إلى أن السفير المصري تدخل في الشئون الداخلية الباكستانية ، وذلك من خلال تصريحات أدلى بها في مقابلة أجرتها معه إحدى الصحف المحلية في باكستان ، قال فيها تعقيباً على أحداث العنف الطائفي والعرقي في باكستان : إن الحكومة الباكستانية يمكنها الاستفادة من الخبرات التي حققتها الحكومة المصرية في مقاومتها ومواجهتها لأحداث العنف والجماعات الإرهابية، وأن مصر يمكن أن تتعاون مع باكستان في هذا المجال بما يخدم الطرفين.
وقمت بإرسال الخبر نقلاً عن الصحف الباكستانية مع إضافات أدلى بها منور حسن ومسئول آخر من الجماعة الإسلامية اتصلت بهم إلى وكالة الأنباء القطرية ، التي كنت أعمل مراسلاً لها في باكستان آنذاك . وقد حاولت إدراج وجهة نظر السفير المصري أو السفارة بشكل عام في الخبر ، فقمت بالاتصال بالمكتب الإعلامي للسفارة المصرية ، وكذلك السفارة ، إلا أن الرد كان سلبياً ، حيث رفض المسئولون في السفارة التعقيب على الخبر، وكان لهم وجهة نظر في أن أي تعقيب عليه ربما يفهم منه أنه رد على مسئول حزبي باكستاني في مسألة داخلية وأن الرد يمكن أن يفسر على أنه تدخل رسمي من السفارة في الشئون الباكستانية، إضافة إلى أن الرد سوف يعطي قيمة لتصريحات المسئول في الجماعة الإسلامية الباكستانية ، وهذا ما لا تريده السفارة في هذه المسألة.
طلب من الجزيرة
بعد ثلاثة أيام من إرسال الخبر للوكالة اتصل بي رئيس التحرير في قناة الجزيرة طالباً مني عمل تقرير مصور عن الخبر ومحاولة إجراء لقاء مع منور حسن الأمين العام للجماعة الإسلامية والسفير المصري ومحام أو خبير قانوني في هذه المسائل وتصوير السفارة المصرية من الخارج والحصول على رد فعل رسمي من الحكومة الباكستانية على هذا التصريح.
حقيقة استغربت من اهتمام قناة الجزيرة بالتصريح! وبعد ثلاثة أيام من نشره عبر وكالة الأنباء القطرية التي تصل خدماتها الإخبارية إلى قناة الجزيرة أولاً بأول !
حاولت إقناع رئيس التحرير بعدم أهمية الموضوع في باكستان لأن الصحافة الباكستانية عادة ما تحمل تصريحات من هذا القبيل للساسة الباكستانيين ، وكثيرا ما يتهم المعارضون للحكومة من كان فيها بالعمالة والخيانة وتدمير البلاد ، والصلات بجهات معادية ، وقانون النشر والمطبوعات في باكستان لا يحمل الصحيفة أية مسئولية قانونية في حال نشرت تصريحات مثل هذه .
وكان ضمن محاولاتي لإقناع رئيس التحرير حول عدم الجدوى من هذا التقرير حالياً هو أن الحكومة الباكستانية لم تعر الأمر اهتماماً، كما أن الجماعة الإسلامية الباكستانية التي أدلى أمينها العام بهذا التصريح لم تتبن موقفه بشكل كلي ، وإن كانت انتقدت السفير المصري لما فهمته من تصريحاته بأنها تحريض للحكومة على قمع الجماعات الدينية الباكستانية.
وقد كرر رئيس التحرير آنذاك طلبه مني عمل تقرير مصور عن هذا الخبر في اليوم التالي ، رغم أنني أخبرته أن الناطق باسم الخارجية الباكستانية رفض التعليق على الأمر ، وأن الحكومة الباكستانية لا تستطيع منع أي من مواطنيها من الإدلاء بأية تصريحات من هذا القبيل ، لكن الحكومة ليست مجبرة على النزول عند رغبة كل مواطن في طرد هذا أو معاقبة ذاك ، طالما أن الشخص لم يسئ إلى باكستان أو يخرق قوانينها . وقد حاولت جاهدا العمل على عدم إعداد التقرير المطلوب(رغم أن هذا يؤثر على موقف إدارة الجزيرة مني وذلك لعدم رغبتي في الزج بنفسي فيما أراه محاولات بعض الحكومات العربية الانتقاص من حكومات أخرى لأهدافها الخاصة) وطلب مني رئيس التحرير آنذاك أن أعمل التقرير بأي وسيلة ممكنة، وأن أرسله، رغم أن الخبر مضى عليه حينها أكثر من أربعة أيام ، ولم تتناقله وسائل الإعلام العربية أو العالمية حتى يحظى بهذا الاهتمام من قبل إدارة قناة الجزيرة !!!
فكرت في الأمر ملياً واستقر رأيي على أن أعمل التقرير لكن ليس كما يطلبه المسئولون في الجزيرة، واتصلت لهذا الأمر مع الملحق الإعلامي في السفارة المصرية ، كي يعمل على تأمين مقابلة مع السفير أو على الأقل أن يتحدث هو بنفسه ، وأبلغته ما أفكر به وأنني أريد أن أجعل من التقرير يسير باتجاه آخر ، وهو محاولة الاستفادة من الخبر لتحسين العلاقات الباكستانية العربية بشكل عام ، وقد أبلغني الملحق الإعلامي المصري فيما بعد اعتذار السفير عن المقابلة ، وأنه طلب منه عدم الحديث في الموضوع حتى لا يكون موضوع الخبر مادة تلوكها الألسن وتسيء فهمها كما قال .
إصرار على الابتزاز !!
أبلغت الأمر لرئيس تحرير الجزيرة آنذاك الذي أصر على المضي في التقرير،والقول إن السفارة المصرية رفضت التعليق على الخبر رغم كثرة الاتصالات التي أجرتها الجزيرة معها. وطلب مني أن أصور أي شيء في إسلام أباد يرمز إلى مصر، ولم يكن هناك سوى السفارة المصرية، فحاولت أن أصور بوابة السفارة وعليها اللافتة، أو سارية العلم المصري من خارج السفارة .
توجهت إلى الحي الدبلوماسي في إسلام أباد ، وما إن توقفت السيارة في منطقة قريبة من السفارة ونزلت أنا والمصور حتى جاءنا حرس السفارة من رجال الأمن الباكستانيين يطلبون منا عدم التصوير إلا بعد الحصول على إذن من أمن السفارة المصرية ، فمنعت المصور من التقاط أية صورة حتى نحصل على الإذن .
دعوة لشرب الشاي
لم تمض دقيقة على توقفنا حتى جاءنا أحد رجال الأمن المصريين من داخل السفارة ليستطلع الأمر ، فأبلغته بأنني صحفي عربي من قناة الجزيرة ، وأنني أريد أن أصور سارية العلم المصري وبوابة السفارة إن أمكن. فطلب منا التريث حتى يستأذن من المسئولين داخل السفارة . وقد اتصل من جهاز كان بحوزته مع المسئول الأمني في السفارة مبلغاً إياه بهويتنا وما نريده ، فدعاني المسئول الأمني في السفارة ليناقش الأمر معي على كأس من الشاي ، وإن سمح السفير بالتصوير فلا مانع ، وإلا فإن علي أن أقبل اعتذارهم عن منع التصوير لأسباب ليست خافية على أحد ، خاصة بعد حادث التفجير الذي تعرضت له السفارة المصرية أواخر عام 1995 والذي قيل إن جماعة الجهاد المصرية بقيادة الدكتور أيمن الظواهري كانت المسئولة عنه.
دخلت السفارة مع مسئول من الأمن المصري ، وطلب مني تسليم بطاقة تعريف بي ، واستلمت بدلا منها من غرفة الاستقبال بطاقة زائر ولم تمض دقيقتان حتى أحضروا مصوري ومعه آلة التصوير التلفزيونية . وحين سألته عن سبب حضوره أجاب : إن المسئول الأمني المصري هو الذي طلب منه الدخول إلى السفارة.
مؤامرة داخل السفارة:
أنزلنا في غرفة انتظار داخل السفارة ولم يلبث أحد المسئولين عن الأمن أن أغلق علينا الباب بالمفتاح ، فتوجست من هذا التصرف ، خاصة وأنه تم وضع حارسين مسلحين على باب الغرفة التي كنا فيها. بعد دقائق استأذن المصور الباكستاني المرافق لي في الذهاب لقضاء الحاجة ، لكن الذي أثار دهشتنا واستغرابنا هو رد فعل الحارس الذي قال بلهجة عنيفة (أبلغه أن يعملها على أرض الغرفة ونحن فيما بعد ننظفها وإذا حاولتم الخروج من الغرفة فسأضرب بالمليان عليكم، وأشار بسلاحه إلينا آمراً إيانا بالدخول إلى الغرفة ليغلقها من جديد بالمفتاح). فقلت له أتعني أنت ما تقول أم أنك تمزح؟ فحلف على أن ما يقوله هي أوامر من المسئولين. وهو ما جعلنا نسكت ونحاول معرفة ما
يدبرونه بعد أن احتجزونا في هذه الغرفة.
محاولة للإيقاع بنا بعد نصف ساعة من احتجازنا جاء الحارس إلينا طالباً تسليمه الشريط الموجود داخل الكاميرا، وذلك حتى يقوم بدوره بتسليمه لمسئول الأمن في السفارة بحجة رؤيته ومعرفة ما إذا كنا صورنا شيئاً أم لا ؟
لكن الله ألهمني ألا أعطيه الشريط وقلت له : إن كنتم حريصين على رؤية الشريط نسمح لكم بذلك من خلال الكاميرا وليس بإخراجه منها خارج الغرفة ، أو بعد أن تطلقونا من هنا ننسخ لكم الشريط في المكتب ونعطيكم إياه .
خرج الحارس منزعجاً من إجابتي ثم ما لبث أن جاء مسئول الأمن في السفارة ، ليطلب مني بنفسه الشريط . فقلت له إن أردت نسخة من الشريط فنسمح لكم بذلك على أن ننسخها في المكتب الذي نعمل من خلاله، وإن كنت تريد رؤيته نسمح لكم بذلك من خلال عرض الشريط وهو داخل الكاميرا ، أما أن يؤخذ الشريط خارج الكاميرا فلن أسمح بذلك؟
فسأل :لماذا؟[/b][/center]
رد: الفصل الثاني من كتاب الصحفي جمال اسماعيل مراسل قناة الجزيرة السابق في باكستان يفضح فيه الدور الذي تلعبه القناة
فقلت: لأنه شريطي وأنا حر به ، وأنا أعتقد أنكم إن أخذتم الشريط خارج الغرفة يمكن أن تصوروا عليه أشياء وتدعو أننا قمنا بتصويرها ، وتتهمونا بذلك . لكن بعد أن نخرج من هنا يمكن أن نعطيكم الشريط وحتى النسخة الأصلية منه.
فرد ساخراً: وهل تظن أنك ستخرج من هنا؟ أنت حتروح من هنا للسجن !
فرددت عليه بالقول: وهل تظنني داخل سجن أبي زعبل في مصر . أنا سأخرج شئتم أم أبيتم . ومن الأفضل لكم إخراجي حالياً دون ضجة من أحد وأعدكم بعدم الكتابة عن الموضوع مطلقاً ، وإذا لم تفعلوا فستجبرون على إخراجي من هنا ، وستكون فضيحة لكم في باكستان وفي وسائل الإعلام .
خرج الموظف من الغرفة التي كنا فيها لنسمع بعد ذلك ضوضاء في الخارج، وبعد أن أزحنا الستارة عن النافذة رأينا سيارات أمن باكستانية بها أكثر من خمسة عشر من رجال الأمن الباكستانيين يدخلون السفارة ، وكان يرأسهم ضابط شاب كنت رأيته في عدة مناسبات . وما إن هدأت الجلبة بعد دخولهم حتى سمعنا بعد ربع ساعة من تواجدهم داخل السفارة تقريباً صوت الباب وهو يفتح وشخص يطلب منا الخروج من الغرفة .
استغرب الضابط الباكستاني وجودي داخل السفارة المصرية مع المصور الخاص بي ظاناً أننا جئنا لتغطية خبر قدومه إلى السفارة والمهمة التي جاء من أجلها.
فقال : من أبلغك أن تأتي إلى هنا لتصوير المعتقلين؟ لم يمهلني السفير المصري نعمان جلال كي أرد فبادر قائلاً : إنهما الشخصان المعتقلان !! وقد تم ضبطهما داخل السفارة بعد أن تسللا إليها خلسة ، وقاما بتصويرها دون إذن منا. وطلب مني السفير تسليم بطاقة الزائر التي كانت معلقة على صدري. وهو ما دعاني إلى طلب استرداد بطاقتي التي وضعت في غرفة الاستقبال. وقلت للسفير والضابط الباكستاني إن كنت دخلت السفارة خلسة كما يدعي السفير فهل له أن يوضح لنا ولكم كيف حصلنا على بطاقة الزائر؟ وكيف أن اسمنا موجود في سجل الزوار عند غرفة الاستقبال الخارجية؟ ولم أعد لهم بطاقة الزائر إلا بعد أن رأيت الضابط الباكستاني يستلم بطاقتي الخاصة منهم. حينها أعطيت بطاقة الزائر للمسئول الباكستاني.
نقلت مع مجموعة من رجال الأمن الباكستانيين وبسيارتي إلى مركز الشرطة في الحي الدبلوماسي في إسلام أباد ليبدأ التحقيق معنا من قبل كافة الأجهزة الأمنية، وعلمت من أول مسئول أمني قابلناه هناك أن تهما عدة وجهت إلينا من قبل السفارة المصرية وهي أننا تسللنا إلى داخل السفارة، وقمنا بتصوير منشئاتها من الداخل دون إذن، وأن هذه الصور لصالح الدكتور أيمن الظواهري وجماعته الذين فجروا السفارة قبل عامين ونصف تقريباً من هذا التاريخ، وأن جمال الذي درس في بيشاور يعرف كل الجماعات المناوئة للحكومة المصرية والتي كانت بعض قياداتها تقيم هناك من سنوات.
وطلب مني رجال التحقيق الباكستانيون رؤية الشريط الذي كان داخل الكاميرا ، فقلت لهم إنني سأعطيه لهم لكن أرجو منهم استدعاء شخص من السفارة المصرية قبل أن يستلموه مني وذلك كي يراه معهم ويمكنهم أن ينسخوا نسخة من الشريط وعلى نفقتي ويعطونها للسفارة المصرية ، وقد استغرب الضباط الباكستانيون هذا الطلب ، لكنني قلت لهم إنني أعرف العقلية الرسمية المصرية وعقلية أجهزة الأمن المصرية، وهم لن يصدقوا قولكم إن الشريط كان خال من أي صورة للسفارة المصرية.
في هذه الأثناء كان السفير المصري أرسل خطابين لوزارتي الخارجية والداخلية في إسلام أباد وأجرى اتصالين هاتفيين مع وزير الداخلية ورئيس الوزراء يبلغهم فيها أنه تم القبض على اثنين من الإرهابيين المعروفين!! بعد أن تسللا داخل السفارة المصرية وصوراها، وأنهما يعملان لجهات معادية ويخططان لتفجير السفارة من جديد!!!
ألقوه في غيابت الجب
شارف التحقيق معي على الانتهاء بعد ثلاث ساعات من بدئه، وبعد أن جمعت السلطات الباكستانية كل المعلومات المتعلقة بي وبالمصور من خلال العديد من الأشخاص في إسلام أباد وبيشاور وراولبندي ، وكانت كل المعلومات تشير إلى عدم صحة ما قاله السفير المصري في شكواه ضدي، وقرر رجال الأمن إطلاق سراحي لولا أن هاتفاً من وكيل وزارة الداخلية جاءهم يطلب منهم عدم إطلاق سراحنا حتى ينظر وزير الداخلية بنفسه إلى ملف التحقيق ، ويأمر بنفسه بإطلاق سراحنا.
جهود مضادة
في هذه الأثناء تمكنت من الاتصال ومن مركز الشرطة بأحد الصحافيين الباكستانيين ، مبلغا إياه بما حصل معنا ، وأن عليه أن يبلغ الأمر لجمعية الصحافيين الأجانب في إسلام أباد ، والتي كنت أرأسها في ذلك الحين .
التقى أفراد الجمعية مساءً لمناقشة الأمر وقرروا إصدار بيان يشجبون فيه عملية الاختطاف التي قامت بها السفارة المصرية ضد أحد الزملاء أثناء قيامه بعمله الصحفي ، وما إن علمت السفارة المصرية بعقد اجتماع لجمعية الصحافيين الأجانب لمناقشة قضية اختطافي على يد رجال أمنها ، حتى أرسلت أحد مخبريها من الصحافيين المصريين!!! وكان يعمل في باكستان منذ فترة ليست بالقصيرة ، وله علاقات وطيدة مع الكثير من الصحافيين ، وذلك لإقناع أعضاء الجمعية بألا يتخذوا موقفا ضد السفارة ، وأن عليهم الانتظار ومعرفة الأمر ، وأن جمال مخطئ في تصرفه وذهابه إلى السفارة وقيامه بالتصوير دون إذن ، إلى آخر هذه المعزوفة من الكلام الذي اعتدنا سماعه من الأجهزة الرسمية في عدد من الدول حين تريد إلصاق تهمة بشخص ما ومعاقبته عليها .
وقد تدخل السفير الفلسطيني الأستاذ أحمد عبد الرزاق في القضية بعدما قدمت زوجتي شكوى له عما جرى معي ، وطالب السلطات الباكستانية بإطلاق سراحي مباشرة إن لم أقم بأي عمل مخل بالقانون الباكستاني .
لم تكتف السفارة المصرية بما فعلته ، فمضى السفير بعيداً في غيه، حيث اتصل بوزير الداخلية ، وبرئيس الوزراء ليبلغهم أن السفارة المصرية تمكنت من إلقاء القبض على شخصين مشبوهين وهما يصوران السفارة من الداخل ، وأن على السلطات الباكستانية اتخاذ أقصى الإجراءات العقابية ضدهما وإلا فإن السفير المصري سيرسل إلى حكومة بلاده أن السلطات الباكستانية غير متعاونة للحفاظ على أمن السفارة المصرية ، التي كانت تعرضت لهجوم بسيارة مفخخة قبل هذا التاريخ بسنتين وثلاثة أشهر تقريبا. وقد انتشر الخبر في إسلام أباد انتشار النار في الهشيم!! وتطوع مسئولو السفارة المصرية للحديث عن كيفية القبض على متسللين إلى السفارة كانوا يحاولون تصويرها من الداخل !!!
تأخر الإفراج عنا لليوم التالي بسبب وجود رئيس الوزراء ووزير الداخلية خارج العاصمة تلك الليلة ، وعدم تمكنهما من الاطلاع على ملف التحقيق والأمر بالإفراج عنا .
وانقلب السحر على الساحر
وبينما كانت هذه الحادثة المفتعلة من السفارة المصرية تهدف إبعادي من باكستان أو اعتقالي وهو ما سيؤدي إلى إبعادي في وقت لاحق ، أو إن لم يحدث هذا فستؤدي إلى تشويه سمعتي كصحفي ، فإنها حقيقة أدت إلى آثار عكسية بالنسبة للسفارة المصرية ! وقد وجد السفير المصري نفسه محاصراً بالاتهامات من قبل الصحافة وكثير من السفارات العربية والأجنبية .
وفي محاولة منه نفي صلة السفارة المصرية بما جرى معي، فإنه ضغط على السفارة الفلسطينية لمنعي من القيام بأي عمل أو الإدلاء بأي تصريح حول الحادث ، أو التعرض للسفارة المصرية في أي كتابات لي، لما يعرفه من علاقة بيني وبين السفير الفلسطيني كوننا من نفس المنطقة في فلسطين . وعلمت من أكثر من مصدر أن السفير المصري وكما تفعل بعض الدول العربية ، هدد السفارة الفلسطينية بمنع تجديد أي وثيقة سفر للطلاب الفلسطينيين الدارسين في باكستان ، وكذلك توعد بعدم إعطاء أي تأشيرة ولو للمرور لأي فلسطيني محاولاً استغلال كوني على علاقة جيدة مع السفير الفلسطيني، وساعياً لإقحام السفارة الفلسطينية بهذه المسألة خشية من افتضاح ما اقترفه على صفحات الجرائد الباكستانية!!
إصرار على الافتراء
حاولت السفارة الفلسطينية التوسط في هذه المشكلة على أن تعتذر السفارة المصرية عما افتعلته ضدي ، لكن بدلاً من الاعتذار فقد أصدرت السفارة المصرية بياناً وزعته على الصحف جاء فيه ((تأسف السفارة المصرية لما وقع للصحافي جمال إسماعيل على أيدي الجهات الأمنية الباكستانية التي اعتقلته وهو يصور السفارة من الخارج، وهو بذلك ارتكب مخالفة قانونية وأن السفارة المصرية لم يكن لها أية علاقة بالحادث)).
عندما قرأت البيان في الصحف الباكستانية اتصلت بالسفير الفلسطيني وأبلغته أنني في حل من أي التزام بما وعدته به، فأرسلت رسالة إلى كافة السفراء العرب شارحاً لهم حقيقة ما جرى ، طالباً في الوقت نفسه منهم إنصافي من السفير المصري ، وتوعدت إن لم يتم هذا بنشر ما أعرفه عن أعمال السفارة المصرية ونشاطاتها التي لا أظن السفارة المصرية ستكون سعيدة برؤيتها على صفحات الجرائد !!
أحدثت الرسالة الموجهة للسفراء العرب ضجة في أوساطهم، وبدأ بعضهم يتحدث عنها ، فما كان من السفير المصري آنذاك إلا أن اتصل بالسفير الفلسطيني وببعض السفراء العرب الآخرين يهددهم بأن سفارة بلاده ستنسحب من مجلس السفراء العرب في إسلام أباد إن تم بحث قضية جمال في أي اجتماع ، وطالبني السفير الفلسطيني بتهدئة الأمور ، مشيراً إلى أنه سيعمل على حل المشكلة وإقناع السفارة المصرية بالاعتذار عما حصل .
الاعتذار
في اليوم التالي وكان يوم السبت طلب مني السفير الفلسطيني زيارته صباح الغد ، موضحا أن السفير المصري سيأتي إليه في ذلك الوقت لحل هذه المشكلة ، وفي الوقت الذي كان السفير الفلسطيني يحدثني أرسلت إلي السفارة المصرية أحد رجال الأمن المصريين والذي كان يعمل تحت غطاء صحفي ، ليتحسس مني ما أنوي عمله في الأيام القادمة ، وما إذا كنت أريد الاتصال بالصحافة أم لا ، وأخذ يتحدث بمواضيع نزولاً وصعوداً ، مرة يأتي بثوب الناصح الأمين ، وأخرى يأتي بثوب المهدد والمشفق علي من بطش السفارة ، وأن باكستان لا يمكنها الوقوف مع شخص بمفرده ، والتخلي عن مصالحها مع دولة مثل مصر ، وأن ما كتبته للسفراء العرب يضر بي أكثر مما يفيدني، وأخذ يستفسر عما أعنيه بكلامي بأنني سأنشر ما لا يسر السفارة المصرية أن تراه على صفحات الجرائد !!! فأعلمته أنني تناسيت المشكلة منذ خروجي من الحجز ولا أريد الخوض في هذه المسألة مطلقاً ، وكان المضحك في كلامه قوله أنه مرسل من قبل السفير الفلسطيني لإقناعي باتخاذ موقف مسالم ، وألا أقبل مطلقاً محاولات بعض الصحافيين الباكستانيين إجراء مقابلة معي والكتابة في صحفهم عما جرى لي .
في اليوم التالي ذهبت إلى منزل السفير الفلسطيني لأقابل السفير المصري وأنهي المشكلة التي وقعت لي جراء تصرفاته.
عذر أقبح من ذنب
لم يحضر السفير! وإنما اكتفى بإرسال المستشار الإعلامي في السفارة المصرية آنذاك، وبعد كلام طويل قال المستشار الإعلامي : إن السفير لم يكن له علم بما جرى وأن كل ما حدث كان من قبل رجال الأمن داخل السفارة ، وهم الذين كتبوا للخارجية الباكستانية . ضحكت وقلت له : إن كان ما تقوله صحيحاً فإن هذا يعني أن السفير المفترض أن يكون المسئول الأول في السفارة لا يفقه من أمره شيئاً ، وأنه أسير ما يقوله له رجال الأمن مع ما في ذلك من مخاطر، وهم بعملهم هذا يتخطونه مع الجهات الرسمية الباكستانية، وهذا غير مقبول في العرف الدبلوماسي. لكن ما تقوله أنت عن السفير غير صحيح من ناحية عملية، فالسفير كان داخل السفارة حينما دعينا لدخولها، وهو الذي كتب للخارجية ، وإن شئت أن أحضر لك رقم الرسالة وتاريخها ونصها من الخارجية فيمكنني هذا ! وما كتبه في تلك الرسالة هو أدرى الناس بعدم صحته مطلقاً ، لكنه وبعد فشل سفارته في الحفاظ على أمنها وبعد الانفجار الذي شهدته السفارة بات يخشى حتى من ظله، ولا أريد الآن التدقيق على كل هذه الأمور ، لكن لو شئت فأنا أستطيع إثبات وجهة نظري هذه . فبهت لما سمعه مما لم يتوقعه.
اعتذر المسئول في السفارة المصرية عما جرى ، داعيا لفتح صفحة جديدة ، وبعد أن غادر المندوب المصري منزل السفير الفلسطيني دعاني الأخير للمكوث معه عدة دقائق ، فأشار علي وكبادرة حسن نية يمكن أن تكون إيجابية أن أبلغ المسئول المصري بعد أن يصل إلى منزله بأنني سأكتب رسالة إلى كافة السفراء العرب في باكستان طالباً منهم عدم مناقشة المشكلة في مجلسهم ، وأنني أعتبرها قد انتهت .
اتصلت بالمستشار الإعلامي للسفارة المصرية بعد وصوله إلى منزله ، مبلغاً إياه بما اقترحه علي السفير الفلسطيني ، فرحب بالفكرة ، مضيفاً أنه سيبلغ سفيره بهذا الأمر الذي سيكون له وقع حسن في إنهاء المشكلة وترطيب الأجواء.
ما أريكم إلا ما أرى !
لكنني وبعد نصف ساعة من الحديث الهاتفي مع الملحق الإعلامي المصري فوجئت بنفس الصحفي المصري الذي زارني مشفقاً ومهدداً قبل ذلك بيومين ، يتصل بي محاولاً إقناعي بأن أكتب مثل هذه الرسالة ، وأنه سيساعدني في الكتابة ، فأرسل لي نص رسالة يضع فيها كل اللوم علي وأنني أعترف بأنني أخطأت في التصرف من البداية.
ولئلا أحرج السفير الفلسطيني حول ما سأكتبه اتصلت به وأخبرته بما يريدونه مني ، فقال لا تكتب إلا ما تراه أنت لكن اجعله مختصراً ، وأرسله إلى كافة السفراء بمن فيهم السفير المصري .
كتبت رسالة مختصرة جعلت عنوانها الآيتين الكريمتين:
} لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم وكان الله سميعا عليما { (النساء: 148) .
} وجزاء سيئةٍ سيئةُ مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين { (الشورى: 40) .
وقمت بإرسالها إلى كافة السفراء العرب ، فاستشاط السفير المصري غضبا مما جاء فيها ، واعتبرها تحريضاً من السفارة الفلسطينية.
ولما روجع السفير المصري بعد هذه الحادثة عن الأسباب التي دعته لافتعال المشكلة، رغم أنه كان بإمكانه الاعتذار إلي بالنسبة للتقرير الذي كنت أزمع عمله ، فأجاب إن جمال درس في بيشاور وعمل لقاءات صحفية مع عدد من الشخصيات القيادية في الجماعة الإسلامية المصرية وغيرها وهذا يدل على أن له صلة بهؤلاء!! كما أن قناة الجزيرة التي يمثلها أساءت لمصر كثيراً ، ونحن أردنا أن نسعى لإخراجه من باكستان!!
قناة الجزيرة بعد هذه الحادثة أصرت على عمل تقرير عن الحادث، وقمت بالاتصال بالشرطة الباكستانية التي احتجزتني لكنهم اعتذروا مني بالقول إنه ليس مسموحاً لهم الإدلاء بأي تصريحات صحفية ، وأن علي الذهاب إلى كبار المسئولين في وزارة الداخلية ، فقمت بعمل التقرير المطلوب مني ، وبثته الجزيرة ، وقطعا فرحت لذلك، كما أرسلت للجزيرة ما جاء في الصحف الباكستانية من تعليقات على المشكلة التي افتعلتها السفارة المصرية مع مراسل الجزيرة وتم بث ذلك أيضاً. وكان يمكن الحيلولة دون هذا كله لولا أن العقلية التي تصرف بها السفير المصري كانت عقلية أجهزة الأمن التي لا زالت تتعامل مع المواطن والإنسان على أنه مجرم ومتهم يجب أن يثبت براءته بطريقة مقنعة لهم وأنى له هذا !!!
وقد أحدث الكتاب الذي أرسلته إلى السفراء العرب وأرسلت نسخة منه إلى الجزيرة موضحاً فيه ما كانت تنويه الجزيرة وقتها من التقرير وما كنت أسعى إليه، أحدثت هذه الصراحة نوعا من الصدمة لدى إدارة الجزيرة التي ظنت أن بإمكانها امتلاك عقول الناس ومشاعرهم من خلال العمل في الجزيرة وتوجيههم لمآربها بطريقة أو بأخرى !!!
فرد ساخراً: وهل تظن أنك ستخرج من هنا؟ أنت حتروح من هنا للسجن !
فرددت عليه بالقول: وهل تظنني داخل سجن أبي زعبل في مصر . أنا سأخرج شئتم أم أبيتم . ومن الأفضل لكم إخراجي حالياً دون ضجة من أحد وأعدكم بعدم الكتابة عن الموضوع مطلقاً ، وإذا لم تفعلوا فستجبرون على إخراجي من هنا ، وستكون فضيحة لكم في باكستان وفي وسائل الإعلام .
خرج الموظف من الغرفة التي كنا فيها لنسمع بعد ذلك ضوضاء في الخارج، وبعد أن أزحنا الستارة عن النافذة رأينا سيارات أمن باكستانية بها أكثر من خمسة عشر من رجال الأمن الباكستانيين يدخلون السفارة ، وكان يرأسهم ضابط شاب كنت رأيته في عدة مناسبات . وما إن هدأت الجلبة بعد دخولهم حتى سمعنا بعد ربع ساعة من تواجدهم داخل السفارة تقريباً صوت الباب وهو يفتح وشخص يطلب منا الخروج من الغرفة .
استغرب الضابط الباكستاني وجودي داخل السفارة المصرية مع المصور الخاص بي ظاناً أننا جئنا لتغطية خبر قدومه إلى السفارة والمهمة التي جاء من أجلها.
فقال : من أبلغك أن تأتي إلى هنا لتصوير المعتقلين؟ لم يمهلني السفير المصري نعمان جلال كي أرد فبادر قائلاً : إنهما الشخصان المعتقلان !! وقد تم ضبطهما داخل السفارة بعد أن تسللا إليها خلسة ، وقاما بتصويرها دون إذن منا. وطلب مني السفير تسليم بطاقة الزائر التي كانت معلقة على صدري. وهو ما دعاني إلى طلب استرداد بطاقتي التي وضعت في غرفة الاستقبال. وقلت للسفير والضابط الباكستاني إن كنت دخلت السفارة خلسة كما يدعي السفير فهل له أن يوضح لنا ولكم كيف حصلنا على بطاقة الزائر؟ وكيف أن اسمنا موجود في سجل الزوار عند غرفة الاستقبال الخارجية؟ ولم أعد لهم بطاقة الزائر إلا بعد أن رأيت الضابط الباكستاني يستلم بطاقتي الخاصة منهم. حينها أعطيت بطاقة الزائر للمسئول الباكستاني.
نقلت مع مجموعة من رجال الأمن الباكستانيين وبسيارتي إلى مركز الشرطة في الحي الدبلوماسي في إسلام أباد ليبدأ التحقيق معنا من قبل كافة الأجهزة الأمنية، وعلمت من أول مسئول أمني قابلناه هناك أن تهما عدة وجهت إلينا من قبل السفارة المصرية وهي أننا تسللنا إلى داخل السفارة، وقمنا بتصوير منشئاتها من الداخل دون إذن، وأن هذه الصور لصالح الدكتور أيمن الظواهري وجماعته الذين فجروا السفارة قبل عامين ونصف تقريباً من هذا التاريخ، وأن جمال الذي درس في بيشاور يعرف كل الجماعات المناوئة للحكومة المصرية والتي كانت بعض قياداتها تقيم هناك من سنوات.
وطلب مني رجال التحقيق الباكستانيون رؤية الشريط الذي كان داخل الكاميرا ، فقلت لهم إنني سأعطيه لهم لكن أرجو منهم استدعاء شخص من السفارة المصرية قبل أن يستلموه مني وذلك كي يراه معهم ويمكنهم أن ينسخوا نسخة من الشريط وعلى نفقتي ويعطونها للسفارة المصرية ، وقد استغرب الضباط الباكستانيون هذا الطلب ، لكنني قلت لهم إنني أعرف العقلية الرسمية المصرية وعقلية أجهزة الأمن المصرية، وهم لن يصدقوا قولكم إن الشريط كان خال من أي صورة للسفارة المصرية.
في هذه الأثناء كان السفير المصري أرسل خطابين لوزارتي الخارجية والداخلية في إسلام أباد وأجرى اتصالين هاتفيين مع وزير الداخلية ورئيس الوزراء يبلغهم فيها أنه تم القبض على اثنين من الإرهابيين المعروفين!! بعد أن تسللا داخل السفارة المصرية وصوراها، وأنهما يعملان لجهات معادية ويخططان لتفجير السفارة من جديد!!!
ألقوه في غيابت الجب
شارف التحقيق معي على الانتهاء بعد ثلاث ساعات من بدئه، وبعد أن جمعت السلطات الباكستانية كل المعلومات المتعلقة بي وبالمصور من خلال العديد من الأشخاص في إسلام أباد وبيشاور وراولبندي ، وكانت كل المعلومات تشير إلى عدم صحة ما قاله السفير المصري في شكواه ضدي، وقرر رجال الأمن إطلاق سراحي لولا أن هاتفاً من وكيل وزارة الداخلية جاءهم يطلب منهم عدم إطلاق سراحنا حتى ينظر وزير الداخلية بنفسه إلى ملف التحقيق ، ويأمر بنفسه بإطلاق سراحنا.
جهود مضادة
في هذه الأثناء تمكنت من الاتصال ومن مركز الشرطة بأحد الصحافيين الباكستانيين ، مبلغا إياه بما حصل معنا ، وأن عليه أن يبلغ الأمر لجمعية الصحافيين الأجانب في إسلام أباد ، والتي كنت أرأسها في ذلك الحين .
التقى أفراد الجمعية مساءً لمناقشة الأمر وقرروا إصدار بيان يشجبون فيه عملية الاختطاف التي قامت بها السفارة المصرية ضد أحد الزملاء أثناء قيامه بعمله الصحفي ، وما إن علمت السفارة المصرية بعقد اجتماع لجمعية الصحافيين الأجانب لمناقشة قضية اختطافي على يد رجال أمنها ، حتى أرسلت أحد مخبريها من الصحافيين المصريين!!! وكان يعمل في باكستان منذ فترة ليست بالقصيرة ، وله علاقات وطيدة مع الكثير من الصحافيين ، وذلك لإقناع أعضاء الجمعية بألا يتخذوا موقفا ضد السفارة ، وأن عليهم الانتظار ومعرفة الأمر ، وأن جمال مخطئ في تصرفه وذهابه إلى السفارة وقيامه بالتصوير دون إذن ، إلى آخر هذه المعزوفة من الكلام الذي اعتدنا سماعه من الأجهزة الرسمية في عدد من الدول حين تريد إلصاق تهمة بشخص ما ومعاقبته عليها .
وقد تدخل السفير الفلسطيني الأستاذ أحمد عبد الرزاق في القضية بعدما قدمت زوجتي شكوى له عما جرى معي ، وطالب السلطات الباكستانية بإطلاق سراحي مباشرة إن لم أقم بأي عمل مخل بالقانون الباكستاني .
لم تكتف السفارة المصرية بما فعلته ، فمضى السفير بعيداً في غيه، حيث اتصل بوزير الداخلية ، وبرئيس الوزراء ليبلغهم أن السفارة المصرية تمكنت من إلقاء القبض على شخصين مشبوهين وهما يصوران السفارة من الداخل ، وأن على السلطات الباكستانية اتخاذ أقصى الإجراءات العقابية ضدهما وإلا فإن السفير المصري سيرسل إلى حكومة بلاده أن السلطات الباكستانية غير متعاونة للحفاظ على أمن السفارة المصرية ، التي كانت تعرضت لهجوم بسيارة مفخخة قبل هذا التاريخ بسنتين وثلاثة أشهر تقريبا. وقد انتشر الخبر في إسلام أباد انتشار النار في الهشيم!! وتطوع مسئولو السفارة المصرية للحديث عن كيفية القبض على متسللين إلى السفارة كانوا يحاولون تصويرها من الداخل !!!
تأخر الإفراج عنا لليوم التالي بسبب وجود رئيس الوزراء ووزير الداخلية خارج العاصمة تلك الليلة ، وعدم تمكنهما من الاطلاع على ملف التحقيق والأمر بالإفراج عنا .
وانقلب السحر على الساحر
وبينما كانت هذه الحادثة المفتعلة من السفارة المصرية تهدف إبعادي من باكستان أو اعتقالي وهو ما سيؤدي إلى إبعادي في وقت لاحق ، أو إن لم يحدث هذا فستؤدي إلى تشويه سمعتي كصحفي ، فإنها حقيقة أدت إلى آثار عكسية بالنسبة للسفارة المصرية ! وقد وجد السفير المصري نفسه محاصراً بالاتهامات من قبل الصحافة وكثير من السفارات العربية والأجنبية .
وفي محاولة منه نفي صلة السفارة المصرية بما جرى معي، فإنه ضغط على السفارة الفلسطينية لمنعي من القيام بأي عمل أو الإدلاء بأي تصريح حول الحادث ، أو التعرض للسفارة المصرية في أي كتابات لي، لما يعرفه من علاقة بيني وبين السفير الفلسطيني كوننا من نفس المنطقة في فلسطين . وعلمت من أكثر من مصدر أن السفير المصري وكما تفعل بعض الدول العربية ، هدد السفارة الفلسطينية بمنع تجديد أي وثيقة سفر للطلاب الفلسطينيين الدارسين في باكستان ، وكذلك توعد بعدم إعطاء أي تأشيرة ولو للمرور لأي فلسطيني محاولاً استغلال كوني على علاقة جيدة مع السفير الفلسطيني، وساعياً لإقحام السفارة الفلسطينية بهذه المسألة خشية من افتضاح ما اقترفه على صفحات الجرائد الباكستانية!!
إصرار على الافتراء
حاولت السفارة الفلسطينية التوسط في هذه المشكلة على أن تعتذر السفارة المصرية عما افتعلته ضدي ، لكن بدلاً من الاعتذار فقد أصدرت السفارة المصرية بياناً وزعته على الصحف جاء فيه ((تأسف السفارة المصرية لما وقع للصحافي جمال إسماعيل على أيدي الجهات الأمنية الباكستانية التي اعتقلته وهو يصور السفارة من الخارج، وهو بذلك ارتكب مخالفة قانونية وأن السفارة المصرية لم يكن لها أية علاقة بالحادث)).
عندما قرأت البيان في الصحف الباكستانية اتصلت بالسفير الفلسطيني وأبلغته أنني في حل من أي التزام بما وعدته به، فأرسلت رسالة إلى كافة السفراء العرب شارحاً لهم حقيقة ما جرى ، طالباً في الوقت نفسه منهم إنصافي من السفير المصري ، وتوعدت إن لم يتم هذا بنشر ما أعرفه عن أعمال السفارة المصرية ونشاطاتها التي لا أظن السفارة المصرية ستكون سعيدة برؤيتها على صفحات الجرائد !!
أحدثت الرسالة الموجهة للسفراء العرب ضجة في أوساطهم، وبدأ بعضهم يتحدث عنها ، فما كان من السفير المصري آنذاك إلا أن اتصل بالسفير الفلسطيني وببعض السفراء العرب الآخرين يهددهم بأن سفارة بلاده ستنسحب من مجلس السفراء العرب في إسلام أباد إن تم بحث قضية جمال في أي اجتماع ، وطالبني السفير الفلسطيني بتهدئة الأمور ، مشيراً إلى أنه سيعمل على حل المشكلة وإقناع السفارة المصرية بالاعتذار عما حصل .
الاعتذار
في اليوم التالي وكان يوم السبت طلب مني السفير الفلسطيني زيارته صباح الغد ، موضحا أن السفير المصري سيأتي إليه في ذلك الوقت لحل هذه المشكلة ، وفي الوقت الذي كان السفير الفلسطيني يحدثني أرسلت إلي السفارة المصرية أحد رجال الأمن المصريين والذي كان يعمل تحت غطاء صحفي ، ليتحسس مني ما أنوي عمله في الأيام القادمة ، وما إذا كنت أريد الاتصال بالصحافة أم لا ، وأخذ يتحدث بمواضيع نزولاً وصعوداً ، مرة يأتي بثوب الناصح الأمين ، وأخرى يأتي بثوب المهدد والمشفق علي من بطش السفارة ، وأن باكستان لا يمكنها الوقوف مع شخص بمفرده ، والتخلي عن مصالحها مع دولة مثل مصر ، وأن ما كتبته للسفراء العرب يضر بي أكثر مما يفيدني، وأخذ يستفسر عما أعنيه بكلامي بأنني سأنشر ما لا يسر السفارة المصرية أن تراه على صفحات الجرائد !!! فأعلمته أنني تناسيت المشكلة منذ خروجي من الحجز ولا أريد الخوض في هذه المسألة مطلقاً ، وكان المضحك في كلامه قوله أنه مرسل من قبل السفير الفلسطيني لإقناعي باتخاذ موقف مسالم ، وألا أقبل مطلقاً محاولات بعض الصحافيين الباكستانيين إجراء مقابلة معي والكتابة في صحفهم عما جرى لي .
في اليوم التالي ذهبت إلى منزل السفير الفلسطيني لأقابل السفير المصري وأنهي المشكلة التي وقعت لي جراء تصرفاته.
عذر أقبح من ذنب
لم يحضر السفير! وإنما اكتفى بإرسال المستشار الإعلامي في السفارة المصرية آنذاك، وبعد كلام طويل قال المستشار الإعلامي : إن السفير لم يكن له علم بما جرى وأن كل ما حدث كان من قبل رجال الأمن داخل السفارة ، وهم الذين كتبوا للخارجية الباكستانية . ضحكت وقلت له : إن كان ما تقوله صحيحاً فإن هذا يعني أن السفير المفترض أن يكون المسئول الأول في السفارة لا يفقه من أمره شيئاً ، وأنه أسير ما يقوله له رجال الأمن مع ما في ذلك من مخاطر، وهم بعملهم هذا يتخطونه مع الجهات الرسمية الباكستانية، وهذا غير مقبول في العرف الدبلوماسي. لكن ما تقوله أنت عن السفير غير صحيح من ناحية عملية، فالسفير كان داخل السفارة حينما دعينا لدخولها، وهو الذي كتب للخارجية ، وإن شئت أن أحضر لك رقم الرسالة وتاريخها ونصها من الخارجية فيمكنني هذا ! وما كتبه في تلك الرسالة هو أدرى الناس بعدم صحته مطلقاً ، لكنه وبعد فشل سفارته في الحفاظ على أمنها وبعد الانفجار الذي شهدته السفارة بات يخشى حتى من ظله، ولا أريد الآن التدقيق على كل هذه الأمور ، لكن لو شئت فأنا أستطيع إثبات وجهة نظري هذه . فبهت لما سمعه مما لم يتوقعه.
اعتذر المسئول في السفارة المصرية عما جرى ، داعيا لفتح صفحة جديدة ، وبعد أن غادر المندوب المصري منزل السفير الفلسطيني دعاني الأخير للمكوث معه عدة دقائق ، فأشار علي وكبادرة حسن نية يمكن أن تكون إيجابية أن أبلغ المسئول المصري بعد أن يصل إلى منزله بأنني سأكتب رسالة إلى كافة السفراء العرب في باكستان طالباً منهم عدم مناقشة المشكلة في مجلسهم ، وأنني أعتبرها قد انتهت .
اتصلت بالمستشار الإعلامي للسفارة المصرية بعد وصوله إلى منزله ، مبلغاً إياه بما اقترحه علي السفير الفلسطيني ، فرحب بالفكرة ، مضيفاً أنه سيبلغ سفيره بهذا الأمر الذي سيكون له وقع حسن في إنهاء المشكلة وترطيب الأجواء.
ما أريكم إلا ما أرى !
لكنني وبعد نصف ساعة من الحديث الهاتفي مع الملحق الإعلامي المصري فوجئت بنفس الصحفي المصري الذي زارني مشفقاً ومهدداً قبل ذلك بيومين ، يتصل بي محاولاً إقناعي بأن أكتب مثل هذه الرسالة ، وأنه سيساعدني في الكتابة ، فأرسل لي نص رسالة يضع فيها كل اللوم علي وأنني أعترف بأنني أخطأت في التصرف من البداية.
ولئلا أحرج السفير الفلسطيني حول ما سأكتبه اتصلت به وأخبرته بما يريدونه مني ، فقال لا تكتب إلا ما تراه أنت لكن اجعله مختصراً ، وأرسله إلى كافة السفراء بمن فيهم السفير المصري .
كتبت رسالة مختصرة جعلت عنوانها الآيتين الكريمتين:
} لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم وكان الله سميعا عليما { (النساء: 148) .
} وجزاء سيئةٍ سيئةُ مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين { (الشورى: 40) .
وقمت بإرسالها إلى كافة السفراء العرب ، فاستشاط السفير المصري غضبا مما جاء فيها ، واعتبرها تحريضاً من السفارة الفلسطينية.
ولما روجع السفير المصري بعد هذه الحادثة عن الأسباب التي دعته لافتعال المشكلة، رغم أنه كان بإمكانه الاعتذار إلي بالنسبة للتقرير الذي كنت أزمع عمله ، فأجاب إن جمال درس في بيشاور وعمل لقاءات صحفية مع عدد من الشخصيات القيادية في الجماعة الإسلامية المصرية وغيرها وهذا يدل على أن له صلة بهؤلاء!! كما أن قناة الجزيرة التي يمثلها أساءت لمصر كثيراً ، ونحن أردنا أن نسعى لإخراجه من باكستان!!
قناة الجزيرة بعد هذه الحادثة أصرت على عمل تقرير عن الحادث، وقمت بالاتصال بالشرطة الباكستانية التي احتجزتني لكنهم اعتذروا مني بالقول إنه ليس مسموحاً لهم الإدلاء بأي تصريحات صحفية ، وأن علي الذهاب إلى كبار المسئولين في وزارة الداخلية ، فقمت بعمل التقرير المطلوب مني ، وبثته الجزيرة ، وقطعا فرحت لذلك، كما أرسلت للجزيرة ما جاء في الصحف الباكستانية من تعليقات على المشكلة التي افتعلتها السفارة المصرية مع مراسل الجزيرة وتم بث ذلك أيضاً. وكان يمكن الحيلولة دون هذا كله لولا أن العقلية التي تصرف بها السفير المصري كانت عقلية أجهزة الأمن التي لا زالت تتعامل مع المواطن والإنسان على أنه مجرم ومتهم يجب أن يثبت براءته بطريقة مقنعة لهم وأنى له هذا !!!
وقد أحدث الكتاب الذي أرسلته إلى السفراء العرب وأرسلت نسخة منه إلى الجزيرة موضحاً فيه ما كانت تنويه الجزيرة وقتها من التقرير وما كنت أسعى إليه، أحدثت هذه الصراحة نوعا من الصدمة لدى إدارة الجزيرة التي ظنت أن بإمكانها امتلاك عقول الناس ومشاعرهم من خلال العمل في الجزيرة وتوجيههم لمآربها بطريقة أو بأخرى !!!
رد: الفصل الثاني من كتاب الصحفي جمال اسماعيل مراسل قناة الجزيرة السابق في باكستان يفضح فيه الدور الذي تلعبه القناة
بارك الله في الكاتب وفي الناقل
والموضوع للتثبيت وأسأل الله أن يتبث أجركم
والموضوع للتثبيت وأسأل الله أن يتبث أجركم



















































